جوبا: معابر – يستعد جنوب السودان لإجراء أول انتخابات عامة منذ استقلاله عن السودان عام 2011، والمقررة في 22 ديسمبر المقبل، وسط تحديات أمنية وسياسية وقانونية وفنية تثير تساؤلات بشأن جاهزية أحدث دولة في العالم لتنظيم أول اقتراع وطني في تاريخها، بعد سنوات من الحرب الأهلية وعملية انتقالية طويلة بدأت باتفاق السلام لعام 2018.
وتدخل البلاد المرحلة الأخيرة قبل الاقتراع في مشهد سياسي جديد أعقب قرار الرئيس سلفا كير في 22 سبتمبر حل حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية والبرلمان وحكومات الولايات، فيما انطلق حوار بين الأحزاب في جوبا لبحث مستقبل العملية الانتخابية، بينما تؤكد السلطات أن التصويت سيجرى في موعده.
1- النزاعات المسلحة وانعدام الأمن:
يمثل استمرار النزاعات والعنف المحلي أحد أبرز التحديات، إذ تشهد أجزاء من البلاد مواجهات مسلحة ونزاعات مجتمعية، ولا سيما في جونقلي وأعالي النيل والوحدة وواراب.
وتبرز جونقلي مثالاً على ذلك، بعدما قالت الأمم المتحدة في يناير إن أكثر من 180 ألف شخص نزحوا جراء تصاعد الصراع، فيما قتل اثنان من قوات حفظ السلام وأصيب سبعة آخرون في كمين استهدف دورية أممية في الولاية في أغسطس.
وحذر المحلل السياسي جيمس دينق، في تصريحات ل(معابر)، من احتمال ارتفاع وتيرة العنف مع اقتراب الانتخابات، في ظل وجود جماعات معارضة مسلحة ترفض العملية وتدعو إلى مقاطعتها، خصوصاً في أجزاء من أعالي النيل والوحدة وإقليم الاستوائية.
وقال انقوك إن المضي نحو صناديق الاقتراع دون تسوية سياسية أوسع قد يدفع بعض تلك الجماعات إلى تصعيد نشاطها، مضيفاً: «هناك احتمال كبير لارتفاع وتيرة العنف في أجزاء واسعة من البلاد، لأن بعض الجماعات والتنظيمات المعارضة المسلحة ترى أن المضي نحو صناديق الاقتراع سيقطع الطريق أمام أي تسوية سياسية يمكن أن تضمن مشاركتها في العملية السياسية».
2- الجدل القانوني والدستوري:
ويتمثل التحدي الثاني في الجدل بشأن الإطار القانوني للانتخابات، بعد تعديلات أقرها البرلمان على قانون الانتخابات لعام 2012 قبل ثلاثة أشهر من الاقتراع، أبقت الرئيس في منصبه إلى حين أداء الرئيس المنتخب اليمين، مقابل إنهاء مهام مؤسسات انتقالية أخرى.
ويرى الباحث والمحلل السياسي أبان دانيال أن التعديلات أحدثت اختلالاً في التوازن بين مؤسسات الدولة. وقال لمعابر: «ما حدث يمثل انقلاباً دستورياً واضحاً، لأن التعديلات أبقت الرئيس في منصبه ومنحته صلاحيات واسعة، في الوقت الذي أُلغيت فيه المؤسسات الأخرى التي كان يفترض أن تشكل جزءاً من النظام الانتقالي».
وحذر جيمس من احتمال نشوء فراغ تشريعي ودستوري إذا تعذر إجراء الانتخابات في موعدها في غياب البرلمان، قائلاً إنه لن تكون هناك مؤسسة تشريعية تستطيع تعديل القانون أو معالجة ظروف طارئة قد تواجه العملية.
3- المعارضة وغياب التوافق:
ويشكل غياب التوافق السياسي تحدياً ثالثاً، مع رفض قوى معارضة رئيسية الترتيبات الحالية، وفي مقدمتها الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة بقيادة رياك مشار ، التي تقول إن إجراء الانتخابات قبل استكمال المتطلبات الأساسية لاتفاق السلام والترتيبات الأمنية لا يوفر الظروف اللازمة لاقتراع شامل وذي مصداقية.
كما أعلن تحالف حركات المعارضة في جنوب السودان رفضه لانتخابات 22 ديسمبر وللحوار بين الأحزاب بصيغته الحالية، مطالباً بعملية سياسية أكثر شمولاً. وحذر التحالف في بيان في 28 سبتمبر من أن عدم معالجة الأزمة عبر عملية سياسية شاملة قد يفاقم انعدام الأمن والأزمة الإنسانية وعدم الاستقرار.
4- اتفاق سلام لم يكتمل:
ويتمثل التحدي الرابع في عدم استكمال بنود أساسية من اتفاق السلام المنشط لعام 2018. وبعد ثماني سنوات من توقيعه، ما زالت مهام تتعلق بالترتيبات الأمنية والإصلاحات القضائية والعدالة الانتقالية والدستور الدائم غير مكتملة.
وقالت الهيئة المعاد تشكيلها لمراقبة وتقييم اتفاق السلام في أحدث تقييماتها إن الاتفاق ما زال الإطار الأساسي للانتقال، ودعت إلى استكمال المهام المؤجلة، خصوصاً الترتيبات الأمنية والإصلاحات القضائية والدستورية والاقتصادية والعدالة الانتقالية.
5- سباق مع الزمن والتمويل:
ويتمثل التحدي الخامس في ضيق الوقت لاستكمال الاستعدادات الفنية واللوجستية، وفي مقدمتها تسجيل الناخبين والتمويل. وقبل أقل من ثلاثة أشهر من الاقتراع لم تبدأ عملية تسجيل الناخبين، فيما قالت المفوضية القومية للانتخابات إن التسجيل سيجرى يدوياً وبالحضور الشخصي.
وتقدر المفوضية تكلفة الانتخابات بنحو 250 مليون دولار، بينما قال رئيسها غابرييل بول دينق إن الحكومة قدمت حتى أواخر سبتمبر نحو 25 مليون دولار، مع تعهد وزارة المالية بتوفير تمويل إضافي.
وقال دينق إن نقص التمويل بات أكبر عقبة أمام المفوضية، موضحاً أن مكاتبها في الولايات العشر والمناطق الإدارية الثلاث تفتقر إلى احتياجات تشمل المكاتب والسيارات والمعدات والرواتب والمخصصات.
وأضاف: «التمويل يمثل أكبر تحد أمامنا في الوقت الحالي. نحن في سباق مع الزمن لبدء حملات التوعية وتسجيل الناخبين، لكن عدم توفر الموارد اللازمة يقيد قدرتنا على القيام بواجباتنا».
الحوار .. البحث عن مخرج:
وفي ظل هذه التحديات، يكتسب الحوار بين الأحزاب الذي انطلق في جوبا أواخر سبتمبر أهمية في بحث الخلافات بشأن الانتخابات. وتتمسك الحكومة بموعد 22 ديسمبر، بينما تطالب قوى معارضة بتوسيع الحوار وضمان مشاركة الأطراف الرافضة للمسار الحالي.
ولا تقتصر النقاشات على الموعد، بل تشمل نطاق الانتخابات والترتيبات السياسية والأمنية اللازمة لها، وسط طرح إمكانية التوصل إلى صيغة انتخابية محدودة تشمل الرئاسة وحكام الولايات والبرلمان القومي بدلاً من جميع مستويات الحكم، وهي مسألة لم تحسم بعد.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تتقاطع ضغوط الوقت مع التحديات الأمنية والخلافات القانونية والسياسية وتعثر بعض استحقاقات السلام ونقص التمويل، فيما قد تحدد نتائج الحوار الجاري نطاق العملية الانتخابية والترتيبات التي ستسبق أول اقتراع عام في جنوب السودان منذ الاستقلال.