مجتمع مدني

مركز علي الزين الثقافي: ملاذ للإبداع السوداني في القاهرة

تقرير: معابر – حينما تخرس المدافع أصوات البشر، وتتحول جدران المؤسسات الثقافية إلى ركام، تنبري الفنون كأداة وحيدة لترميم الشروخ النفسية ومقاومة النسيان. من رحم المعاناة الإنسانية التي خلفها النزاع المسلح في السودان، برزت قصص ملهمة لمثقفين وفنانين رفضوا الاستسلام لمرارة اللجوء والوقوع في مصيدة الإحباط. وفي مقدمة هؤلاء يبرز الموسيقار السوداني علي الزين، الذي نجح في نقل حلمه من قلب العاصمة السودانية الخرطوم ليعيد غرس بذوره الفنية في منارة قاهرة المعز، محولاً مركزه الثقافي إلى قبلة رئيسية تجمع شمل المبدعين واللاجئين السودانيين في مصر.

تأسست النواة الأولى لـ مركز علي الزين للثقافة والفنون عام 1997 في مدينة الخرطوم بحري. ولم تكن البداية مفروشة بالورود؛ إذ واجه المشروع تضييقات أمنية وضغوطاً متكررة من سلطات النظام السابق التي لم تكن تشجع التعبيرات الفنية الحرة والمنفتحة. ورغم الإغلاقات، ظل المركز طوال عقدين من الزمن نافذة للشباب السوداني الباحث عن مساحات للابتكار، وتعلم الموسيقى، والدراما، والفنون التشكيلية. غير أن نقطة التحول القاسية جاءت مع اندلاع حرب منتصف أبريل؛ حيث طالت قذائف الدمار جدران المركز في بحري، ليفقد البروفيسور علي الزين كل ما ملكته يداه من آلات موسيقية مخصصة للتدريب، ومناهج تعليمية مبتكرة، وأرشيف ضخم من المؤلفات السمعية والورقية والنوتات الموسيقية النادرة التي صاغها طوال مسيرته.

لكن النزوح واللجوء إلى مصر لم يكسرا عزيمة هذا الفنان المبدع. فبمجرد استقراره في القاهرة كأحد ملايين السودانيين الفارين من وطأة الحرب، قرر النهوض مجدداً متمسكاً بروح المقاومة الفنية. وبجهد دؤوب ودعم من خريجي المركز والمهتمين بالشأن الثقافي، أعاد افتتاح مركز علي الزين للثقافة والفنون مجدداً في العاصمة المصرية، ليرسل رسالة صمود قوية مفادها أن الحروب وإن استطاعت هدم الجدران وتشتيت الأجساد، فإنها تعجز تماماً عن إسكات لحن يسكن الروح أو خنق موهبة إنسانية حية.

سرعان ما تحول المركز في مقره الجديد بالقاهرة إلى واحة إبداعية آمنة وقبلة يومية للاجئين السودانيين. لم يعد الهدف مقتصراً على تلقين أصول الفن، بل امتد ليتخذ أبعاداً إنسانية ونفسية بالغة الأهمية. فالمركز يضم قاعات مجهزة لتدريب الآلات، واستوديو للصوت، ومكتبة عامة، ويطرح ورشاً ودوارت متخصصة لتعليم النوتة الموسيقية، وقراءة الإيقاع، والرسم، والتمثيل المسرحي.

وتستهدف هذه الورش الفئات العمرية المختلفة، لا سيما الأطفال واليافعين الذين عانوا من صدمات النزاع والنزوح، حيث يجدون في الفن أداة لتفريغ الطاقات السلبية والتعبير عن مخاوفهم وآمالهم في بيئة تربوية مرحبة ومألوفة.

أحد أبرز الجوانب الملهمة في نشاط المركز الحالي هو تعزيزه لمفهوم الدمج والتقارب الثقافي بين الشعبين السوداني والمصري. فالورش لا تفتح أبوابها للاجئين السودانيين فحسب، بل يشارك فيها أقرانهم من المزارعين والشباب المصريين، مما يخلق مساحة للتلاقح الحضاري المتبادل، ويزيل أي حواجز اجتماعية، ويؤكد عمق الروابط التاريخية التي تجمع بين وادي النيل. وتحت شعاره الإنساني الشهير “حتى لا يكون الإبداع حكراً على أحد”، يكرس المركز جهوده لإتاحة الفنون للجميع بغض النظر عن هوياتهم أو ظروفهم المادية.

إلى جانب التدريب والتعليم، يلعب المركز دوراً محورياً في الحفاظ على الهوية الوطنية السودانية وحماية موروثها الحضاري من التبديد والتغييب في بلاد الاغتراب. حيث ينظم بانتظام ندوات أدبية، ومعارض للفنون التشكيلية، وأمسيات شعرية وموسيقية تحتفي بالتراث الموسيقي السوداني المتنوع من حقيبة، وأغنيات شعبية، ومعزوفات حديثة. كما يحرص المركز على إحياء المناسبات الثقافية العالمية والمحلية، مثل الاحتفال باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، ليبقى حبل التواصل متيناً بين الإنسان السوداني وجذوره المعرفية.

ويمثل مركز علي الزين للثقافة والفنون بالقاهرة نموذجاً حياً ومشرقاً لكيفية تحويل الرماد إلى أمل، والمنفى المؤقت إلى حلم دائم بالعودة والبناء. إنه يثبت للعالم أجمع أن الحركة الثقافية السودانية تمتلك من الصلابة ما يمكنها من كسر الإحباط وتجاوز مآسي الحرب، لتظل النوتة الموسيقية والريشة والأقلام السودانية نابضة بالحياة، تعزف ألحان السلام والتطلع نحو غد أفضل خالٍ من النزاعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى