اقتصاد

تقرير: كيف استثمر شباب جنوب السودان أزمة السيولة النقدية عبر خدمات الدفع الالكتروني؟

جوبا: معابر – في ظل أزمة السيولة النقدية التي تضرب الأسواق بدولة جنوب السودان، وجد بعض الشباب في العاصمة جوبا فرصة لتحويل التحدي إلى مصدر دخل مستدام عبر الاستثمار في خدمات الدفع الإلكتروني، فقد أدى نقص النقد الورقي إلى ارتفاع الاعتماد على المحافظ الرقمية التي تديرها شركات الاتصالات، وهو ما دفع شبابًا من ميسوري الحال إلى افتتاح وكالات ومراكز مالية صغيرة لتسهيل معاملات البيع والشراء إلكترونيًا، هذا التحول لم يعد مجرد استجابة مؤقتة للأزمة، بل أصبح فرصة لإعادة تشكيل السوق المحلي وخلق وظائف جديدة، مع تعزيز دور التكنولوجيا المالية كأداة لتجاوز فجوة النقد.

وبحسب تقديرات رسمية، ارتفعت نسبة المعاملات الإلكترونية خلال العامين الماضيين إلى نحو 60–70 في المئة من عمليات البيع والشراء اليومية، مقارنة بأقل من 20 في المئة قبل الأزمة، وتشير بيانات شركات الاتصالات إلى أن عدد المحافظ النشطة تجاوز مليوني حساب، فيما افتتحت مئات الوكالات التي يديرها شباب تتراوح أعمارهم بين 25 و35 عامًا.

وتحقق هذه الوكالات أرباحًا شهرية تتراوح بين 300 و800 دولار، ما يوفر مصدر دخل ثابت في بلد تعاني شبابه من بطالة تفوق 40 في المئة، ويذهب اقتصاديون إلى أن هذا التوسع يعكس حيوية كبيرة في استثمار التكنولوجيا المالية كبديل للنقد الورقي، ويشكل خطوة نحو بناء قطاع خدمات مالية موازٍ يسهم في استقرار السوق المحلي على المدى المتوسط.

وفي هذا الإطار، يقول المحلل الاقتصادي قبريال دينق لـ”معابر” : ” إن التوسع في الخدمات المالية الإلكترونية يوفر بيئة أكثر شفافية لحركة الأموال ويقلص حجم الاقتصاد الموازي القائم على النقد الورقي، اذ أن هذه الخطوة يمكن أن تكون قاعدة لتطوير نظام مصرفي رقمي متكامل في جنوب السودان”.

ويصف جون لوكا، شاب في مطلع الثلاثينات افتتح محفظة ووكالة صغيرة في سوق جوبا، تجربته لـ”معابر “بأنها :”فرصة لتأمين مصدر دخل ثابت بعد أن لاحظت الإقبال الكبير من الزبائن الذين يفضلون الدفع عبر الهاتف لغياب السيولة النقدية”، مضيفًا أن دخله اليومي من العمولات يتراوح بين 50 و80 ألف جنيه جنوب سوداني، وأن التجربة فتحت أمامه آفاقًا للاستثمار والتوسع مستقبلًا.

ويرى جيمس لوال، وهو محلل اقتصادي، أن الدفع عبر الهاتف المحمول أصبح قطاعًا واعدًا للاستثمار، خصوصًا للشباب العاطل عن العمل، قائلاً في تصريحات لـ”معابر” : “اعتماد الخدمات المالية الإلكترونية يفتح المجال لإنشاء وكالات ومراكز رقمية توفر وظائف، وتمنح الشباب مصدر دخل ثابت يمكنهم من تأسيس مشاريع صغيرة مستقلة”.

ويضيف لوال أن هذا التحول يقلل الاعتماد على النقد الورقي ويحد من الاحتيال والسرقة المرتبطة بالتعاملات التقليدية، مؤكدًا أن الدفع الإلكتروني أصبح أداة استراتيجية لتعزيز الشمول المالي، وتحفيز ريادة الأعمال، ودعم الاقتصاد المحلي في مواجهة تحديات البطالة والجريمة والاقتصاد الموازي.

أما مايكل طون اشويل، خريج جامعي كان عاطلًا عن العمل، فيقول إن أزمة السيولة النقدية منحت الشباب فرصة لدخول السوق ويقول في تصريحات لـ”العربي الجديد”: “بعد أن فقدت الأمل في الحصول على وظيفة، قررت أن أفتتح وكالة صغيرة للتحويلات الإلكترونية برأسمال محدود، وسرعان ما لاحظت حجم الإقبال من المواطنين الراغبين في وسيلة آمنة وسريعة لتسديد مشترياتهم أو استلام أموالهم”. مبينا أن دخله الشهري أصبح يغطي نفقاته الأساسية ويمكّنه من مساعدة أسرته، فضلاً عن توفير رأس مال للتوسع مستقبلاً، معتبرًا التجربة “برهانًا على أن الأزمات قد تتحول إلى فرص حقيقية إذا امتلك الشباب الجرأة على الابتكار واستخدام التكنولوجيا في حل المشاكل اليومية”.

ويظهر أثر تلك التجربة الجديدة أيضًا على حياة العديد من الأسر في جوبا، إذ أصبح بإمكانهم تسديد الفواتير وشراء مستلزماتهم بسهولة دون الحاجة للبحث عن النقد الورقي او الذهاب الى البنوك، ما قلل من الوقت والجهد في الأسواق اليومية، كما وفر هذا التحول فرصًا للشباب لتأمين مصدر دخل ثابت، انعكس إيجابًا على الأوضاع الأسرية من خلال تغطية الاحتياجات اليومية وتمكين بعض العائلات من الادخار أو تمويل مشاريع صغيرة، وتثبت هذه التجربة ايضا أن التكنولوجيا المالية ليست مجرد أداة رقمية، بل أصبحت وسيلة لتحسين مستوى المعيشة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي في ظل الأزمات الاقتصادية.

وقال مانديلا مرجان، أحد الشباب الذين أسسوا وكالة خدمات مالية إلكترونية مع مجموعة من الأصدقاء، مستفيدًا من دراسته للتسويق في الجامعة، إنه بعد نجاح المشروع في جوبا قرر توسيع نطاق عمله والترويج للفكرة بين الشباب، وأضاف مرجان في حديثه لـ”معابر” قائلا: “بدأت أسافر إلى الولايات المختلفة للقاء الشباب وتشجيعهم على فتح فروع جديدة للوكالة، ومشاركة الاستفادة من الطلب المتزايد على الدفع الإلكتروني”.

وأوضح مرجان أن الهدف من هذه المبادرة ليس مجرد تحقيق الربح الفردي، بل بناء شبكة من الوكالات توفر فرص عمل للشباب وتعزز الاقتصاد المحلي من خلال توسيع الخدمات المالية الرقمية. وأكد مرجان أن هذه التجربة ساعدته على توسيع علاقاته في مختلف الولايات وفتح آفاق للتعاون والاستثمار المستقبلي مع شركاء جدد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى