اقتصاد

السودان: انهيار العملة يضاعف كلفة الحرب على المواطنين

الخرطوم: معابر – يواجه السودان أزمة اقتصادية متفاقمة بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، مع استمرار تراجع قيمة الجنيه وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتقلص دخول الأسر، في وقت أدت فيه الحرب إلى تعطيل الإنتاج والتجارة وتدمير جزء كبير من البنية الاقتصادية للبلاد.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد السوداني لا يزال يعاني من آثار الانكماش الحاد الذي أصاب الناتج المحلي منذ اندلاع الحرب. ويتوقع الصندوق نمواً حقيقياً لا يتجاوز 0.7% في 2026، مقابل تضخم سنوي متوسط يبلغ نحو 75.1%، بما يعكس استمرار الضغوط الكبيرة على الأسعار والدخل.

وتظهر أزمة العملة بصورة أكثر وضوحاً في السوق الموازية. فقد أفادت رويترز في سبتمبر بأن الجنيه السوداني فقد منذ بداية صيف 2026 قرابة نصف قيمته في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، ووصل سعر الدولار إلى نحو 7500 جنيه في السوق السوداء، مقارنة بنحو 4100 جنيه في مايو. وأدى ذلك إلى ارتفاع تكلفة السلع المستوردة والوقود والمواد الغذائية، مع تراجع القدرة الشرائية للأسر.

ولم تعد الأسعار المرتفعة ظاهرة تقتصر على المدن. وتشير بيانات المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية إلى ارتفاع أسعار معظم السلع الأساسية في يوليو، بما في ذلك الحبوب والبقوليات والخضروات واللحوم والسكر وزيت الطعام والوقود، مع تراجع توافر عدد من هذه السلع. كما ظلت ولايات دارفور وكردفان من أكثر المناطق تعرضاً لارتفاع الأسعار وضعف الإمدادات.

وفي سبتمبر، عادت طوابير الوقود إلى الظهور في الخرطوم وعدد من الولايات، بالتزامن مع تجاوز سعر الدولار 8000 جنيه في السوق الموازية، وفق تقارير محلية، الأمر الذي انعكس على تكاليف النقل والسلع والخدمات. وبلغ سعر غالون البنزين في بعض الأسواق نحو 37 ألف جنيه، بينما وصل في السوق السوداء إلى نحو 60 ألفاً.

وتتجاوز آثار الأزمة مسألة الأسعار لتصل إلى مصادر دخل المواطنين أنفسهم. فقد أدت الحرب إلى تعطيل قطاعات الإنتاج والتجارة والزراعة، فيما تراجعت إيرادات الدولة بشدة. ويقدر البنك الدولي أن الإيرادات الحكومية انخفضت من نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي في 2022 إلى أقل من 5% خلال 2024-2025، بينما ارتفعت نسبة الفقر المدقع بصورة كبيرة.

ويأتي ذلك بالتزامن مع أزمة غذاء واسعة. ويقدر البنك الدولي أن 21.2 مليون شخص، أي نحو 41% من السكان، كانوا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي حتى مارس 2026. كما أدى نقص التمويل الإنساني إلى تقليص قدرة برنامج الأغذية العالمي على الاستجابة، في وقت يواجه فيه ملايين السودانيين صعوبة متزايدة في تأمين احتياجاتهم الأساسية.

وبالنسبة للمواطن السوداني، يتحول الانهيار الاقتصادي إلى معادلة يومية قاسية: دخل لا يرتفع بمعدل ارتفاع الأسعار، وجنيه يفقد قيمته، وسلع أساسية تزداد كلفة، ووقود يرفع بدوره تكاليف النقل والإنتاج. ومع استمرار الحرب وانقسام الاقتصاد والأسواق بين مناطق النفوذ المختلفة، تصبح فرص استعادة الاستقرار الاقتصادي أكثر ارتباطاً بوقف الحرب وإعادة تشغيل الإنتاج والتجارة والخدمات.

وهكذا لم تعد الأزمة الاقتصادية نتيجة جانبية للحرب فحسب، بل أصبحت واحدة من أبرز تداعياتها المباشرة؛ إذ تتقلص القدرة الشرائية للمواطنين بالتزامن مع تراجع الإنتاج والدخل العام، بينما تتسع الفجوة بين تكلفة المعيشة وما تستطيع الأسر الحصول عليه من دخل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى