(حتى نيوبي تذكرت أن تأكل)، قال (أخيل) في إلياذة (هوميروس) الملحمية، محاولاً إقناع الملك المكلوم (بريام) بتناول الطعام، على الرغم من حزنه البالغ على مقتل ابنه (هيكتور).
تقول الأسطورة الاغريقية القديمة أنه وفي أحد الاحتفالات المخصصة لتكريم الإلهة (ليتو) – أم أبولو وآرتميس – افتخرت نيوبي ذات الضفائر الجميلة علانية بأبنائها وبناتها الأربعة عشر، وسخرت من ليتو قائلة:(لقد أنجبتِ طفلين فقط، بينما أنجبتُ أنا جيشاً من الأبناء والبنات الفاتنين).
وهنا اعتبر (أبولو) وأرتميس تصريح (نيوبي) إهانة كبرى لوالدتهما، فقررا الانتقام فوراً. قام (أبولو) بقتل أبناء نيوبي السبعة بنباله الفضية أثناء ممارستهم الرياضة، بينما قامت أرتميس بقتل بناتها السبع بنبالها المتلاحقة داخل القصر. أما (زيوس)، فحوّل سكان المدينة إلى حجارة، وظلّت جثث الأطفال ملقاة في دمائها لمدة تسع أيام دون أن يدفنهم أحد، ولم يدفنوا إلا في اليوم العاشر).
شُلّت نيوبي تماماً من شدة الحزن بادئ الأمر، قبل أن تعود إلى موطنها الأصلي في سيبيليوس، ومن فرط بكائها المستمر دون توقف، حوّلها (زيوس) رأفة بها إلى صخرة من الحجر الجيري. لكن الصخرة ظلت تبكي، حيث تتدفق المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج والأمطار من نسيج الحجر المسامي، فتبدو للمارة وكأنها امرأة تبكي خسارتها الأبدية.
وبمثلما استدعى (أخيل) أسطورة (نيوبي) الحزينة لإقناع ملك مكلوم بالعدول عن الحزن، يستدعي الفيلسوف (سينيكا) الذي تزامن ميلاده مع ميلاد المسيح ذات الأسطورة في كتابه الوحيد (رسائل من المنفى)، ليقنع الناس بالتخلي عن الحزن. عانى سينيكا من الربو طوال حياته، وكتب مرة أن السبب الوحيد الذي كان يمنعه من الانتحار هو إدراكه لعدم قدرة أبيه على تحمل فراقه، لكنه على الرغم من كل هذا وذاك، يجتهد في محاولة إقناع الآخرين بالتخلي عن الحزن، ويحاول أن يصنع من تجربته الشخصية، ترياقاً للغصة والدموع.
يقرر سينيكا أن الإجهاش بالبكاء والعويل عند الحزن ما هو إلا طريقة لإثبات خسارتنا، بل واتهم الحزن نفسه بأن شيئاً من المباهاة قد يجد طريقه إليه فيقول:(سيتوقف وجهك عن كونه صورة الحزن الذي ترتسم عليه الآن فور توقفك عن النظر إلى نفسك. أنت الآن تراقب حدادك، ولكن حتى أثناء مراقبتك له فهو يتلاشى شيئاً فشيئاً، وكلما زادت حدته كان توقفه أسرع. أن تمل الحداد نهاية معيبة للحزن كما يقول المتنورين، أفضل أن أراك تتخلى عن الحزن بدلاً عن أن يتخلى هو عنك. حدد أجدادنا مدة الحداد بسنة من الزمان وليس قصدهم أن المرأة يجب أن تبقى في الحداد عاماً كاملاً، بل ألا تزيد على ذلك).
يراهن (سينيكا) على حزن يطاله القدم فيبهت لونه وتغيب ملامحه، دون أن يعلم أن بعض الحزن عصي على النسيان، ولا يزيده مرور السنوات إلا أصالة واستقراراً داخل النفوس. وبدا لي حديثه أشبه بحديث المعاصرين، ممن يظنون أن في تذكيرك بأنك أيضاً عٌرضة للموت، سبيلاً للتعزية في فقد حبيب.
لم أجد عزاءً في قول سينيكا:(صديقي أورانوس أصغر مني ولكن أي فرق يصنعه ذلك؟ يجب أن يموت بعدي ولكنه من المحتمل جداً أن يموت قبلي، ولأني لم أفكر على هذا النحو من قبل، أخذتني الأقدار على حين غرة بتلك الضربة المفاجئة. الأحياء عرضة للموت إذن، كما إن عرضتهم للموت لا تخضع لقوانين). لكني قبلت مرافعته على مضض، وانصرفت لحزن يحمل ملامحاً أعرفها، تجعلني ذكراه أتقلب بين الغصة والابتسام.
وما بين حزن الملك (بريام) المكلوم في سنوات ما قبل الميلاد، وحسرة نيوبي الأسطورية على أبنائها، والتي حولتها في نهاية الأمر إلى صخرة باكية، أحاول أن أجد موضعاً لفقدي. أجد في كلمات (أخيل) المواسية، والتي تتهم حزن الملك بأنه أقل شأناً من ذلك الذي يشتعل في قلب (نيوبي) شيئاً من السطحية وسوء التقدير، وأنظر لكلمات (سينيكا) فأجدها أكثر قسوة من أن يتم التفوه بها في وجه من فقد عزيزاً لتوه. من قال أن حزن نيوبي هو الأكبر؟ ومن قال أن تناول الطعام دليل على انحسار الأحزان؟ ومن قال أن حزيناً يتوق لسماع الحقيقة؟