بين السودان وجنوب السودانثقافة

دينق قوج: المثقف العضوي وبناء الذاكرة الوطنية في جنوب السودان (1 -2)

دراسة في مشروعه التوثيقي ودوره في الوعي الثقافي

بقلم: أحمد موسى قريعي | كاتب وباحث سوداني

 

ملاحظة تمهيدية مهمة

تأتي هذه الدراسة بوصفها جهداً توثيقياً وتحليلياً يستهدف حفظ إرث الراحل دينق قوج أيويل ديينق كوي، والوقوف على دوره بوصفه نموذجاً لِـ المثقف العضوي وصانعاً لملامح الذاكرة الوطنية في جنوب السودان. وتهدف الدراسة إلى بناء إطار معرفي متكامل يقدّم قراءة علمية لإسهاماته الفكرية والتنظيمية والإنسانية، اعتماداً على ما توفر من مواد مكتوبة وشفوية، وما أنجزه الراحل من مبادرات أثّرت في الوعي المجتمعي والثقافي داخل بيئة تُعدّ من أكثر البيئات تعقيداً وحاجة إلى التوثيق.

كما تسعى هذه الدراسة إلى سدّ فجوة معرفية واضحة في المحتوى المتعلق بالراحل، عبر تحليل نتاجه والتقاط ديناميات حضوره في المجال العام، وتثبيت تجربته ضمن سياق أوسع لمسار المثقف العضوي في مجتمعات ما بعد الصراع.

 الإهداء

إلى روح الراحل دينق قوج أيويل، المثقف الذي اختار أن يقف إلى جوار الناس لا فوقهم، والذي جعل من الكلمة جسرًا، ومن التوثيق ضميرًا، ومن الذاكرة وطنًا.

إلى كل الذين يكتبون لا ليخلَّدوا، بل لئلّا يضيع صوت البلاد في صمت النسيان.

إليهم جميعًا…

أهدي هذا العمل.

 الشكر والتقدير

أتقدم بجزيل الشكر لكل من أسهم في إنجاز هذه الدراسة، وخاصة الذين شاركوني شهاداتهم، وفتحوا لي أبواب الذاكرة، من أصدقاء الراحل وزملائه وأسرته، ومن رافقوه في مسيرته السياسية والإعلامية والتوثيقية.

كما أشكر كل من قدم دعمًا معنويًا أو معرفيًا، وأخص بالذكر من آمن بأهمية هذا المشروع التوثيقي

وساهم في إمدادي بالمراجع والمصادر والاتصالات الضرورية.

ولهم جميعًا، كل التقدير والعرفان

 

«يعيش السودان الكبير في أدمغتنا إذ لا ينفك عن التفكير»

دينق قوج

 

 ملخص الدراسة

تهدف هذه الدراسة التوثيقية التحليلية إلى تقديم قراءة علمية معمقة لتجربة الراحل دينق قوج (1966-2024) بوصفه مثقفاً عضوياً وحارساً للذاكرة الوطنية في جنوب السودان. تنطلق من سؤال مركزي حول كيفية إسهامه، من موقعه هذا، في حفظ الذاكرة الجماعية وتشكيل خطاب اجتماعي مقاوم للانقسام في بيئة هشة تخلو من مؤسسات توثيق رسمية رصينة.

تعتمد الدراسة منهجية نوعية تجمع بين تحليل خطاب قوج المنشور (خصوصاً على منصات التواصل الاجتماعي)، وإجراء مقابلات مع رفاق دربه ومقربيه، وقراءة السياق التاريخي والاجتماعي لجنوب السودان منذ حرب 1955، مع إجراء مقارنات مختصرة بتجارب توثيقية في مجتمعات صراع أخرى مثل رواندا وكولومبيا.

تكشف النتائج أن دينق قوج جسّد نموذج المثقف العضوي الغرامشي من خلال قربه العضوي من هموم الناس، وتمثيله الدائم لقضايا المهمشين والضحايا، واستخدامه أدوات مثل الكتابة الناقدة والسخرية اللاذعة والخطاب الشعبي المباشر لبناء وعي نقدي. كما تُظهر أن مشروعه التوثيقي تجاوز مجرد التدوين ليكون ممارسة أخلاقية تهدف إلى مقاومة النسيان القسري، وكشف تناقضات السلطة، والدفاع عن سردية وطنية جامعة تعبر الانقسامات الإثنية والجغرافية.

تخلص الدراسة إلى أن إرث قوج يشكل مرجعاً توثيقياً بالغ الأهمية لمرحلة تأسيسية في تاريخ جنوب السودان، ورصيداً معرفياً ينبغي حمايته وأرشفته. كما تؤكد على الحاجة الملحة لتشجيع مبادرات التوثيق الثقافي الفردي والجماعي كأدوات فعالة لبناء السلام وتعزيز التماسك الاجتماعي في مجتمعات ما بعد الصراع، مقدمة بذلك إضافة نوعية لحقول دراسة الذاكرة والمثقف العضوي في السياقات الهشة.

 مقدمة الدراسة

تأتي هذه الدراسة في سياق الحاجة الماسة لتوثيق التجارب الفردية التي شكلت الوعي الجمعي في جنوب السودان، خاصة في ظل فترات النزاع الطويلة التي جعلت الذاكرة الوطنية عرضة للتشويه والضياع. ويشكل الرحيل المبكر لدينق قوج فراغاً ثقافياً وسياسياً، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول دور المثقف في مجتمع ما بعد الحرب، وقيمة التوثيق الفردي في مواجهة صمت المؤسسات أو غيابها.

لا تسعى الدراسة إلى كتابة سيرة تقليدية أو تقديم قراءة سياسية مباشرة، بل تحاول الاقتراب من شخصية دينق قوج بوصفه “مثقفاً عضوياً” تشكل خطابه خارج الأطر الرسمية، عبر احتكاكه الدائم بهموم الناس وتجاربهم المعيشية. وبناءً على ذلك، تستند إلى تحليل إنتاجه التوثيقي المتنوع، واستقصاء الشهادات الحية لمن عرفوه، ومراجعة السياقات الاجتماعية والسياسية المحيطة، وذلك لفهم الآلية التي ساهم من خلالها في صوغ ذاكرة وطنية بديلة وحاضنة.

وتواجه الدراسة تحديًا منهجيًا رئيسيًا يتمثل في ندرة المصادر المكتوبة والمؤرشفة عن الراحل، مما يجعلها تعتمد بشكل أساسي على وثائقه الشخصية الرقمية والمقابلات الميدانية، مع ما يقتضيه ذلك من حرص ودقة تحليلية. وبهذا، تسهم الدراسة في سد فجوة معرفية واضحة، وتفتح الباب أمام مقاربات أوسع للدور التوثيقي للمثقفين في البيئات الهشة والخارجة من صراعات عنيفة.

تنويه مهم حول المصادر والمراجع

واجهت هذه الدراسة تحديًا كبيرًا تمثّل في الندرة الشديدة للمصادر المكتوبة أو المؤرشفة عن الراحل دينق قوج، سواء في شكل كتب، أو دراسات أكاديمية، أو وثائق رسمية يمكن الاعتماد عليها في بناء سردية تحليلية متكاملة عن حياته ومشروعه التوثيقي.

وبعد بحث موسّع، لم أجد سوى مصادر محدودة للغاية تمثّلت في الآتي:

المواد المنشورة بقلمه على صفحته الشخصية في موقع “فيسبوك”، والتي شكّلت المصدر الأول والأكثر ثراءً في فهم رؤيته، وخطابه التوثيقي، وطريقته في التعبير عن الوعي الثقافي.

مقالات الرثاء التي كُتبت في أعقاب رحيله، والتي ساعدت في تكوين صورة جزئية عن مكانته الاجتماعية والثقافية وتأثيره في محيطه.

المقابلات الشخصية التي أجريتها بنفسي مع أفراد عرفوه أو تعاملوا معه أو تأثروا بمشروعه. كانت هذه المقابلات مصدرًا أساسيًا لسد الفجوات التي خلّفها غياب التوثيق الرسمي والمؤسسي.

إن هذا النقص الحاد في المصادر المكتوبة يعكس، من جهة، طبيعة البيئة الثقافية في جنوب السودان حيث لا تزال جهود التوثيق في مراحلها الأولى، كما يعكس، من جهة أخرى، حجم المسؤولية الأخلاقية في جمع المعلومات وحفظ ما يمكن حفظه من آثار هذا المثقف الاستثنائي.

ولذلك، فإن نتائج هذه الدراسة تعتمد اعتمادًا أصيلًا على التوثيق المباشر والتحليل النوعي للمادة المتاحة، مع بذل أقصى درجات الحرص والدقة في التعامل مع كل معلومة تم الوصول إليها.

قائمة المصطحات والاختصارات

تُعرَّف المصطلحات التالية تعريفًا إجرائيًا، وفقًا لسياق استخدامها الثقافي والاجتماعي في هذه الدراسة:

أولاً: مصطلحات نظرية وفكرية عامة

1. المثقف العضوي (Organic Intellectual)

مصطلح يعود لغرامشي، ويشير إلى المثقف المرتبط بقضايا المجتمع، الذي يعمل من داخله لا من فوقه، ويمثل تطلعات الفئات المهمشة، ويشارك في تشكيل الوعي الجماعي.

2. الوعي الثقافي (Cultural Consciousness)

قدرة المجتمع على إدراك ذاته وهويته وتاريخه وقيمه، وعلى فهم موقعه في السياق السياسي والاجتماعي.

3. الخطاب العام (Public Discourse)

النقاشات والأفكار والتفاعلات التي تُشكّل الرأي العام حول السياسة والمجتمع والثقافة، وتشمل الصحافة ووسائل التواصل.

4. السردية الوطنية (National Narrative)

الرواية التي يقدّمها المجتمع حول ذاته وتاريخه وهويته، وتشكل أساس إدراك الناس لواقعهم وماضيهم ومستقبلهم.

5. النزاع الداخلي (Internal Conflict)

الاقتتال أو الصراع بين أطراف داخل الدولة الواحدة، ويؤثر في تشكيل الذاكرة الوطنية والانقسام الاجتماعي.

ثانياً: مصطلحات الذاكرة والتوثيق

1. الذاكرة الوطنية (National Memory)

مجمل الخبرات المشتركة التي يكوّنها المجتمع حول تاريخه، وحروبه، وتحولاته السياسية والاجتماعية، وتُعد أساسًا لبناء الهوية الوطنية في الدول الخارجة من النزاعات.

2. الذاكرة الشعبية (Popular Memory)

الرواية التي تنتجها الجماعات الاجتماعية عن الأحداث بعيدًا عن الخطاب الرسمي، وتتضمن القصص الشفاهية والتجارب اليومية للناس.

3. التوثيق الفردي (Personal Documentation)

عملية جمع وتدوين المعلومات والقصص والمشاهدات بواسطة الأفراد وليس المؤسسات، ويعتمد غالبًا على الخبرة الذاتية والفضاء الرقمي.

4. التوثيق المؤسسي (Institutional Documentation)

توثيق رسمي يتم عبر مؤسسات الدولة أو المراكز البحثية أو المنظمات، ويخضع لبُنى إدارية ومرجعيات تنظيمية.

5. التوثيق الرقمي (Digital Documentation)

استخدام الوسائط الإلكترونية (منصات التواصل، المواقع، الأرشيفات الرقمية) لتسجيل الأحداث والمعلومات، ويُعد مصدرًا مهمًا للذاكرة الحديثة.

6. الأرشيف (Archive)

مجموعة من الوثائق والسجلات المحفوظة المتصلة بتاريخ فرد أو مؤسسة أو مجتمع، ويُعد مرجعًا للبحث التاريخي والذاكري.

ثالثاً: مصطلحات محلية (سودانية وجنوب سودانية)

1. منجقة (Manjaqa / Munjaqah)

مصطلح ذو أصل محلي، يُرجَّح أن جذره اللغوي هو «مونجانق»، ويُستخدم للدلالة على الأفراد الذين يتراجعون عن التزاماتهم الدينية أو الأخلاقية، مبرّرين ذلك بالأعراف والعادات الاجتماعية. يحمل المصطلح حمولة نقدية ضمنية، ويُستعمل في سياقات تقويم السلوك والانضباط القيمي داخل المجتمع.

2. البل (Al-Ball)

يدل المعنى اللغوي الأصلي للمصطلح على مكوث الشيء في سائلٍ ما لفترة زمنية طويلة. ومع انتقال الكلمة إلى الاستعمال العامي السوداني، ولا سيما في سياق الراندوك الشعبي، شهد المصطلح تحولًا دلاليًا، حيث خرج عن معناه الحرفي الأول وتطوّر اصطلاحيًا ليحمل معاني مجازية متعددة، انتهت إلى دلالته المعاصرة المتداولة، التي ترتبط غالبًا بحالة التشرّب أو التغلغل أو الاستغراق في وضعٍ معيّن.

3. الجنقو (Jangū / Jangu)

مصطلح شائع في إقليمي دارفور وكردفان، ويعود أصله إلى كلمة «جنقور»، التي تشير إلى قطعة قماش ممزقة. وفي البيئات البدوية يُنطق المصطلح بصيغة «جنقو»، ويُستخدم للدلالة على العمال الزراعيين الموسميين، ولا سيما عمّال الحصاد. وفي عربي جوبا يظهر المصطلح بصيغة «Jongra»، ويحمل المعنى ذاته المتصل بالملابس الممزقة، كما يُطلق أحيانًا بصيغة «جنقجورة» على الفئة نفسها. ويعكس المصطلح في مجمله توصيفًا اجتماعيًا واقتصاديًا لفئة هامشية ارتبطت بالعمل الزراعي الموسمي وظروفه القاسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى