ثقافة

محمد عمر بشير.. رجلٌ علّمنا كيف نقرأ السودان

معابر: اتيم سايمون

بدأت علاقتي المعرفية بالمؤرخ والمفكر السوداني محمد عمر بشير في منتصف تسعينيات القرن الماضي، عبر كتيب صغير عثرت عليه مصادفة في مكتبة الكلية. كان كتيبًا أصفر اللون، مطبوعًا بطريقة “الرونيو” القديمة، ويحمل عنوان التنوع والوحدة والإقليمية. في ذلك الزمن، قبل انتشار الإنترنت والثورة المعرفية الهائلة، لم يكن الوصول إلى المعلومات عن الكتّاب والمفكرين أمرًا يسيرًا كما هو اليوم، لذلك كان العثور على كتاب أو كتيب يحمل أفكارًا جديدة بمثابة اكتشاف حقيقي يفتح أبوابًا واسعة للتأمل والمعرفة.
منذ تلك اللحظة بدأت رحلتي مع فكر محمد عمر بشير. وخلال إحدى الإجازات، تمكنت من الحصول على نسخة أخرى من الكتيب نفسه عبر صديقنا حافظ الجبلابي، الموظف بدار نشر جامعة الخرطوم، وذلك خلال أحد معارض الجرد التي كانت تقيمها الدار. ثم قادتني المصادفات الجميلة إلى كتابه المهم تطور التعليم في السودان، وهو من الكتب التي أعانتني كثيرًا في فهم جوانب تاريخية عديدة تتعلق بتكوين الدولة السودانية ومسار التعليم الحديث فيها، وما ارتبط به من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية.
لكن أكثر ما شدني إلى شخصية محمد عمر بشير لم يكن فقط إنتاجه الفكري الغزير، وإنما أيضًا دوره الوطني الكبير في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، حين اضطلع بمهمة سكرتير مؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد بالعاصمة الخرطوم عام 1965 لمناقشة قضية جنوب السودان. فقد أدركت مبكرًا، من خلال قراءاتي حول الحرب الأهلية السودانية وتاريخ النزاع بين الشمال والجنوب، أن الرجل لم يكن مجرد أكاديمي يكتب من برج عاجي، بل كان شاهدًا ومشاركًا في صناعة الحوار الوطني ومحاولات البحث عن السلام.
وخلال مطالعتي المتواصلة للكتب والدراسات المتعلقة بقضية الجنوب، كنت أجد إشارات متكررة إلى أهم أعماله في هذا المجال، خاصة كتابي خلفية النزاع ومن الحرب إلى السلام. وقد تمكنت من الحصول عليهما قبل سنوات من أحد أكشاك بيع الكتب قرب كلية كمبوني، في لحظة شعرت فيها بأنني أستعيد جزءًا مهمًا من الذاكرة الفكرية السودانية. كانت تلك الكتب تقدم قراءة عميقة ومتوازنة لجذور الأزمة السودانية، بعيدًا عن التبسيط أو الأحكام الجاهزة، وهو ما جعلها مراجع أساسية لكل من أراد فهم تعقيدات المسألة السودانية.
ومع مرور السنوات، ازداد تعلقي وإعجابي بإسهامات محمد عمر بشير الفكرية والأكاديمية. فقد واصلت تتبع مسيرته الحافلة عبر قراءة كتبه ومقالاته وأوراقه العلمية المتعلقة بتاريخ الحركة الوطنية السودانية، وقضايا الهوية، والتعليم، وبناء الدولة. كما لفت انتباهي دوره الكبير في الإشراف الأكاديمي داخل معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم، حيث أشرف على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه التي أصبحت لاحقًا مراجع مهمة في الدراسات السودانية والأفريقية. ومن بين تلك الأعمال البحث القيّم للدكتور أحمد العوض سيكينجا حول قوة دفاع السودان، والذي أُنجز لنيل درجة الماجستير، ويُعد من الدراسات المهمة في تاريخ المؤسسة العسكرية السودانية.
ولعل من أجمل ما ارتبط باسم محمد عمر بشير، ذلك المشروع العلمي الكبير الذي تمثل في تأسيس جامعة أم درمان الأهلية، وهي المؤسسة التي كان له، مع آخرين، فضل كبير في قيامها وتطويرها. كما أحسنت الجامعة صنعًا حين أنشأت مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، الذي يُعد بحق واحدًا من أبرز الإشراقات المعرفية في السودان الحديث، بما أتاحه من مساحة لإنتاج ونشر بحوث ودراسات علمية رصينة استفاد منها الباحثون والمهتمون بالشأن السوداني على مدى سنوات طويلة.
لقد كان محمد عمر بشير نموذجًا نادرًا للمثقف الذي جمع بين المعرفة العميقة والانشغال الحقيقي بقضايا الوطن، فترك أثرًا ممتدًا في الوعي السوداني وفي أجيال من الباحثين والطلاب والمهتمين بتاريخ السودان ومستقبله.
عاشت ذكرى البروفسير محمد عمر بشير، حيّة في كتبه، وفي طلابه، وفي كل قارئ تعلّم منه كيف يقرأ السودان بعين المعرفة والإنصاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى