مَسألة جنوب السُودان فِي فِكر الأستاذ مَحمود محمد طَه
تقديم :
مثلت مشكلة جنوب السودان واحدة من اكبر الازمات السياسية التي واجهت السودان منذ استقلاله في مطلع يناير 1965 ، وذلك بسبب فشل النخب السياسية و العسكرية التي تعاقبت على حكمه منذ خمسينيات القرن الماضي وعجزها عن القيام بمهام بناء الدولة الوطنية متعددة الاعراق و الأديان و الثقافات ، بجانب العجز عن الوافق على مشروع وطني يضع في قائمة اولوياته قضايا التنمية المتوازنة التي تزيل الفوارق وتقضي على جميع اشكال الهواجس المفضية الي تراكم الغبن و الناتج عن الشعور بالتهميش و الاستبعاد ، الا ان تلك النخب ومن اجل ترسيخ قبضتها على مفصل السلطة و الاستئثار بالثروة عكفت على توظيف قدرات وامكانيات الدولة المركزية لتحقيق مآربها الذاتية ، كما قامت باقحام الديانة الاسلامية و الثقافة العربية كادوات تمكنها من انجاز مشروعها السلطوي الذي يتغاضى عن الهموم و الشواغل المرتبطة بقضايا السودان الجوهرية المتمثلة في تحقيق السلام المستدام و الحفاظ على وحدة الكيان السوداني ، وقد ادت الحرب التي دارت في جنوب السودان كاطول الحروب الاهلية التي شهدتها القارة الافريقية الى تقويض الثقة وتعميق هوة العداء بين شمال السودان وجنوبه علاوة على تبديد الموارد البشرية و المادية و الابقاء على جنوب السودان كواحدة من اكثر المناطق تخلفا في العالم .
تفاقمت الحرب في جنوب السودان بسبب رغبة النخب السياسية و العسكرية السودانية في الحفاظ على امتيازات غير مشروعة على حساب خصوم متوهمين ، وادعت في ذلك حرصها على اما اسمته بالمكتسبات الوطنية ، في مجافاة حقيقة لمعني وقيمة الوطنية التي تتعمد تجاوز اسباب التماسك الوطني ، ولاتنظر في جذور الصراع و من ثم معالجتها بمسئولية تامة تخاطب المظالم التاريخية تفاديا لمخاطر الانفجار الذي قد يترتب عن حالة الاهمال و التغاضي تلك .
ايضا فشلت النخية السياسية التي تولت مقاليد الحكم في السودان على امتداد تاريخه الوطني ان تخاطب قضية التعدد و التنوع الكبير الذي يحظى به السودان ، لافتراضها الخاطئ منذ البداية ان الهوية الوطنية لشمال السودان يمكن ان يتم اسقاطها على المشهد الثقافي و الاجتماعي لتصبح ممثلة للهوية الوطنية لبقية انحاء السودان الاخرى بما فيها الجنوب ، ويعد هذا واحدة من الاسباب الرئيسية التي تقف وراء إشتداد وتيرة الازمة و الصراع في الدولة السودانية التي فشلت نخبها في التواضع على مشروع للدولة المدنية التي تعترف وتحتفي بالتعدد والتنوع باعتباره من محفزات الوحدة القومية .
مثل رفض منح الجنوبيين القدر المتساوئ من الفرص التي تتيح لهم في الجانب المتعلق بشئون الحكم والذي وصل مرحلة رفضهم نحهم الحق في ادارة اقليمهم بصورة متكافئة ، واحدة من تجليات الازمة التي اصبحت تعرف فيما بعد (مشكلة/ مسألة جنوب السودان) في القاموس السياسي السوداني ، الشئ الذي قاد لاشتداد حدة الاقتتال خلال الست عقود الماضية باستثناء فترة الهدنة التي استمرت لعشر سنوات اعقبت توقيع اتفاقية اديس ابابا للسلام في العام (1972-1983) ، وهي التسوية التي تم تقويضها عبر العملية التآمرية التي تمت بين النميري وجماعة الإخوان المسلمين بفرض قوانين اسلامية عرفت بقوانين سبتمبر ، والتي كانت واحدة من الاسباب التي قادت لانهيار اتفاقية السلام وعودة البلاد للحرب الاهلية الثانية في 16 مايو 1983 و التي استمرت لفترة عقدين من الزمان انتهت بتوقيع اتفاقية السلام 2005 و التي منحت مواطني جنوب السودان حق تقرير المصير الذي اختاروا عبره التصويت لصالح قيام دولة مستقلة .
الأستاذ محمود .. صوت صارخ في البرية:
استطاع الاستاذ محمود محمد طه ، رئيس الحزب الجمهوري منذ تاسيسه وحتي لحظة استشهاده ، ان يقدم نموذجا للمفكر الديني المجدد و المثقف الموسوعي ، حيث استطاع في مشروعه الفكري، ان يقدم من داخل الفضاء الاسلامي رؤى وافكارا استوعبت غير المسلمين ، بسبب انها لم تكن أفكارا متعصبة كما انها لم تكن منحازة للعروبة و لا للدين ، فهو كان صاحب بصيرة ثاقبة ، تؤمن بالتنوع الثر الذي يمتاز به السودان باعتباره اهم مرتكزات بناء الوحدة القومية في السودان ، كما نادى بضرورة ان تكون هناك مفاهيم اجتماعية ، وقانونية ودينية تضمن حقوق المواطنة المتساوية من خلال تطوير التشريع الاسلامي .
انبثق المشروع الفكري للاستاذ محمود محمد طه من رحم الاستقلال الديني و السياسي القائم على السودوانوية ، وليس الافكار المستجلبة في تحليل الواقع القائم في البلاد ، حيث اولى اهتمامه منذ البداية لتشخيص قضايا السودان عبر كتابة المقالات ، نشر البيانات و المناشير و الكتب ، فاقبل على الكتابة في شتى مناحى السياسة ، في نظام الحكم الامثل للسودان ، وفي السياسة الاجتماعية و السياسة الثقافية ، وبمناقشة القضايا الحيوية و الحياتية للناس .
ان المشروع الفكري للاستاذ محمود محمد طه يقوم في منهجيته على ايجاد مذهبية تؤسس للحكم الدستوري الذي يقود للمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات ، ولايفرق بين مواطن وآخر بسبب العقيدة او الجنس و اللون ، وهو يرى ان حل مشاكل السودان يمكن ان تتحقق من خلال بعث روحي جديد للدين في المجتمع المعاصر ، حيث يرى بان الشريعة السلفية لايوجد بها دستور ينظم المجتمع وفقا لحقوق المواطنة المتساوية ، وان المستوى العقائدي للاسلام لايمكن ان يحل اي مشكلة في عالمنا المعاصر ، حيث ظل يدعوا الى تطبيق المستوى العملى للدين بالحجة و المنطق و النموذج الاخلاقي .
طرح الاستاذ محمود محمد طه مشروعا جديدا وتجديديا في الساحة السياسية السودانية ، كمساهمة منه في معالجة القضايا الوطنية الشائكة و الازمات المستفحلة ، محذرا من المخاطر التي قد تنجم عن اصرار النخب السياسية و القوي السياسية السودانية منذ تاسيسها في اربعينيات القرن المنصرم على التشخيص القاصر لمشكلات السودان الرئيسية و الجوهرية و التي من بينها ( قضية الدستور ، الهوية السودانية وقضية التنوع الثقافي ، مسألة جنوب السودان وسبل حلها) ، وقدم الاستاذ محمود معالجات ناجعة لجميع تلك القضايا بالنظر في اسبابها الجذرية وتقديم خارطة مستقبلية يعززها بقوة الطرح و النظرة الواقعية ، كما انه استطاع ان يدافع بثبات كبير عن مشروعه في مواجهة تحالف التيارات السلفية المتشددة من جماعات الهوس الديني ، و القوى الطائفية التي كانت و لا تزال ترى في افكاره تهديدا لمشروعها الاقصائى و الآحادي الذي اورث السودان الحروب الإبادة العرقية ، والانقسام . وقدم الاستاذ محمود حياته في سبيل ما نادى به من افكار و آمن به من مبادئ في اتساق حقيقي ، وكانت آخر الدروس التي هزم بها جلاديه هي صعوده الى حبل المشنقة مبتسماً ، وكما قال عنه منصور خالد :” سيبقى إسم محمود بعد كل هذا حياً في نفوس الذين لاينامون على الهوان ، بما سيثيرها فيهم من بغض للظلم وإدانة للعدوان و استنكار للهوس الديني وانكار للغدر”.
*الاستاذ محمود ومسألة جنوب السودان:
إهتم الاستاذ محمود محمد طه ، رئيس الحزب الجمهوري ، بقضية جنوب السودان واولاها اهتماما خاصا في كتاباته منذ فترات مبكرة تعود للعام 1946 ، وذلك في اطار مناهضته للسياسة البريطانية في جنوب السودان في مرحلتها الثانية ، وكانت اولى منشورات الحزب الخاصة بمشكلة جنوب السودان تتمثل في الاستجواب الذي قام بتحضيره الاستاذ محمود لتقديمه للسكرتير الاداري عن مشروع الازاندي ، حيث اكد الحزب الجمهوري على سعيه لتحقيق وحدة السودان اولا و قبل كل شئ وذلك بالقول ” ان مسألة الجنوب هذه هي مصدر قلق – لاينقضي- لهذا الحزب كلما فكر في وحدة السودان وذلك لان السياسة الانجليزية في الجنوب تلك قضت بقفله امام سكان الشمال”.
وفي ذات العام اصدر الحزب بيانه الثاني حول مشكلة جنوب السودان يحذر فيه من مخاطر السياسة البريطانية في جنوب السودان ، وذلك بالقول :” فان مسألة الجنوب لايمكن الصبر عليها ، ولا الصبر عنها ، وان الانجليز ليبيتون له امرا ، ولئن لم نحتفظ نحن اليوم بالجنوب احتفاظ الرجال ، لنبكيه غدا بكاء النساء”.
وفي بيانه الثالث عن مشكلة جنوب السودان في ذات العام يخاطب الحزب الجمهوري عموم السودانيين ويعيب عليهم السكوت عن قضية جنوب السودان في دعوة لمقاومة السياسة الانجليزية و المجاهرة بمواقف علنية تعزز من الوحدة القومية ، يقول المنشور :” الجنوب .. الجنوب .. الجنوب ، ماسكوتكم عن الجنوب ايها السودانيون .. ماسكوتكم ؟؟ .. الجنوب أرضكم – أيها السودانيون- و الجنوبيون أهلكم ، فان كنتم عن أرضكم واهلكم لاتدفعون ، فعمن تدفعون؟”.
وايمانا منه بالخصائص التي يتمتع بها جنوب السودان عن سائر بقية الاقاليم ، في اختلافه عنها من حيث اللغة و العقيدة و العنصر و الجغرافيا ، دعا الاستاذ محمود الى ضرورة تصور ابعاد مشكلة الجنوب ومن ثم مواجهتها بالشجاعة المطلوبة ، فالجنوب بالنسبة له ليس بدعاً في هذا التباين و الاختلاف ، فتلك السمات التي تميزه متوافرة ايضا في سائر اقاليم السودان الاخرى شمالا و شرقا وغربا، ففي بيان له بعنوان (مشكلة الجنوب) كتب قائلا:” وفي الحق ان الجنوب ليس بدعاً في هذا الإختلاف ، وإنما هناك سمات من هذا الإختلاف في شرق السودان وفي غربه وفي شماله عن وسطه ، كل مايقال عن الجنوب ان الاختلاف فيه أشد توكيداً وأبلغ ظهورا من ماهو في بقية الأجزاء”.
وللاستاذ محمود مواقف واضحة وصريحة من قضية الوحدة القومية و التي وضعها في قائمة الاولويات في كتابه (أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية) ، يؤكد فيه على ان المشاكل الراهنة لاي بلد تعتبر صورة مصغرة لمشاكل الجنس البشري مجتمعة ، وهي في تقديره مشكلة نابعة من غياب السلام في هذا الكوكب ، ويرى انه من قصر النظر السعى لحل مشاكل المجتمع السوداني داخل حدود الجغرافيا من غير استصحاب المسالة الانسانية العالمية.
كان الاستاذ محمود من اوائل القادة السياسيين الذين ادركوا البعد الوطني لمشكلة جنوب السودان حيث كتب في احدى رسائله موضحا ان المشكلة التي يعاني منها جنوب السودان هي في اساس مشكلة السودان كله في جنوبه ، وهي لانتفصل عن الازمة الوطنية الكلية في وقت ظلت فيه القوى السياسية الشمالية تصعب على نفسها المسألة برفضها بدلا من الاعتراف بجذورها الحقيقة، حيث استمرت تلك القوى تبحث باستمرار عن مشاجب خارجية تعلق عليها خيبتها، لذا كان يؤكد دائما على قوله ” وللشمال ايضا مشكلة”، لقد كان الاستاذ محمود صاحب نظرة كلية شاملة للمسألة لايستغرق في صغائرها البتة و لايفكر في الهروب من واقعها العصيب ، فكلما وردته اخبار الحرب الدائرة في الجنوب و التي يقول فيها المنتصرون :” لقد قضينا على مائة من الخوارج واستشهد منا خمسة ” كان يرد عليهم بالقول :” اما نحن فنقول ان السودان فقد مائة وخمسة من رجاله”.
لم يكن مفهوم الوحدة القومية عند الاستاذ محمود معني مجردا بلا مدلاولات او شروط ضرورية لتحقيقها ، فهي مرتبطة عنده بضرورة ازالة الفوارق الوضعية الاجتماعية و السياسية كمدخل لربط اجزاء السودان ببعضها البعض ، وقد جاء في دستور الحزب الجمهوري:” نرمي بذلك الى خلق سودان يؤمن بذاتية متميزة ، مصير واحد ، وذلك بازالة الفوارق الوضعية من اجتماعية وسياسية ، وربط اجزاء القطر شماله وجنوبه وشرقه وغربه حتى يصبح كتلة سياسية متحدة الاغراض ، متحدة المنافع ، متحدة الاحساس” ، وهو ذات المفهوم الذي دعى اليه لاحقا الكتور جون قرنق دي مبيور في دعوته لضرورة بناء السودان الجديد بان تكون هناك رابطة سودانية وهوية قومية ، نشعر بالانتماء اليها ونفتخر بها.
هذا ويرى الاستاذ محمود بان الصراع العقيدي في السودان كان واحدة من الاسباب الرئيسية التي قادت لتفاقم مشكلة جنوب السودان وذلك حينما قامت جماعة الاخوان المسلمون برفع شعار الدستور الاسلامي في العام 1968 و الذي اسماه الجمهوريون بالـ(الدستور الاسلامي المزيف)، حيث استخدمت الطائفية موضوع الدستور الاسلامي لاستغلال الدين لاغراض سياسية ، وقد بد للجنوبيون في تلك الفترة ان اتجاه الاحزاب الشمالية الى الدستور الاسلامي ماهو الا عمل قصد به فرض الاسلام ، واللغة العربية على الجنوب حتى تتم الهيمن التامة عليه ، فقد كان موقف الاستاذ محمود من هذه القضية هي “ان الدين في المستوى العقيدي لايقضي على اسباب العداوة و الصراع وهو يفرق ولايجمع ، ولقد راينا كيف ان الصراع العقيدي كان من اكثر اسباب قيام مشكلة الجنوب” ، فالدين الذي تحتاجه البشرية لتقيم به مدنية السلام و الذي تجد به مشكلة الجنوب حلها الجذري بالنسبة للاستاذ محمود يتمثل في الاسلام في مستواه العملي لا العقيدي ، لانه يستطيع تحقيق السلام باعطاء الانسان التصور الصحيح لبيئته ويعينه على التواؤم معها ، ولانه في قاعدة تشريعه في مستواه العملي يقوم على القانون الدستوري و الذي يوفق بين حاجة الفرد للحرية الفردية المطلقة وحاجة الجماعة للعدالة الاجتماعية الشاملة.
بعد ان فشلت تجربة اجازة الدستور الاسلامي ، اصبح الاخوان المسلمون يشعرون بان الجنوبيون يشكلون اكبر عقبة امام طموحهم السياسي بسبب اعتراضهم على اجازة الوثيقة في الدستور ، حيث شعروا ايضا بخطر تنظيم الاخوان على تطلعاتهم السياسية ، وهو ماكان يعنيه الاستاذ بالصراع العقيدي الذي لعب دورا في تفاقم المشكلة ، خاصة بعد ان دبرت الاحزاب الطائفية و القوى التقليدية و الاخوان المسلمون ماسمي بمحكمة الردة للتخلص من خطر الجهوريين عليهم ، فقد انعكست تلك المهزلة على مشكلة الجنوب ، حيث اعطت تلك المكيدة الجنوبيون تصورا كافيا لما تعنيه تلك الجماعات بالدستور الاسلامي ، فاصبح الجنوبيون يتصورون ، انه اذا كان هذا هو موقف تلك الاحزاب ممن يخافونهم الراي في اطار الدين الواحد ، فكيف يكون الحال بالنسبة لهم هم غير المسلمين؟.
كانت مسألة وحدة السودان ، هي القضية المركزية التي شغلت فكر الاستاذ محمود منذ مؤتمر الخريجين حتى مقاومته لقوانين سبتمبر القاسية ، حينما قام النميري وبمعاونة القادة الاسلاميون بتعديل دستور السودان ليعكس التوجه الجديد للدولة و القائم على النهج الاسلامي ، في انتهاك صريح وواضح للفصل الخاص بالحقوق و الحريات الاساسية التي تضمنها الملحق الأول لقانون الحكم الذاتي لاتفاق اديس ابابا ، ومن خلال تطبيق تلك القوانين الجائرة عبر محاكم العدالة الناجزة و التي تضرر منها السودانيون عموما ، وكان حظ الجنوبيون وابناء المناطق الطرفية الاخرى كبيرا من تلك المحاكم و العقوبات ، وقد كانت قوانين سبتمبر ومحاكم الردة والعدالة الناجزة واحدة من الاسباب التي زادت الاوضاع السياسية بالبلاد تعقيدا ، كما قادت لانهيار اتفاق السلام ، وهجر اعداد كبيرة من الجنوبيين لوظائفهم في الحكومة مركزية و الاقليمية و لمقاعدهم بالجامعات و المدارس الثانوية للانضمام للحركة الشعبية لتحرير السودان ، وتبعتهم اعداد من الشماليين الذين راعهم مارأوا في منتصف ثمانينيات القرن المنصرم في بلدهم الذي تحول الى دولة من الخوف والهلع و الترهيب تحت مظلة قوانين سبتمبر.
وقف الاستاذ محمود مناهضا لتلك القوانين التي سميت بالاسلامية بسبب الاضرار التي ستلحقها بالبلاد وبغير المسلمين وبالاخص مواطني جنوب السودان ، حيث قال في منشور الإخوان الجمهوريون (هذا أو الطوفان) الصادر في 25 ديسمبر 1984- والذي استخدمه نظام نميري كمستند اتهام حكمت بموجبه على الاستاذ و الاخوان الجمهوريون الاربعة بالاعدام شنقا حتى الموت – ملخصا لمساوئ قوانين سبتمبر :” إن هذه القوانين قد هددت وحدة البلاد ، وقسمت هذا الشعب في الشمال و الجنوب وذلك بسبب ما اثارته من حساسية دينية كانت من العوامل الاساسية التي ادت الى تفاقم مشكلة الجنوب . إن من خطل الراي ان يزعم أحد ان المسيحي لايضار بتطبيق الشريعة … إن للمواطنين في الجنوب حقا في بلادهم لاتكفله لهم الشريعة ، وإنما يكفله لهم الاسلام في مستوى إصول القرآن (السُنة)”.
وقد طالب الجمهوريون في الفقرة الثانية من المنشور حكومة النميري باللجوء للحلول السياسية لوقف تجدد الحرب و الاقتتال في جنوب السودان ، وذلك بالقول :”نطالب بحقن الدماء في الجنوب و اللجوء الى الحل السياسي السلمي بدل الحل العسكري ، ذلك واجب وطني يتوجب على السلطة كما يتوجب على الجنوبيين من حملة السلاح ، فلابد من الاعتراف الشجاع بأن للجنوب مشكلة ، ثم لابد من السعي الجد لحلها” ، ويرى الاستاذ بان الحل السياسي لمشكلة الجنوب وحده لايكفي ،لكنه ظل ينادى بالمحافظة عليه إلى ان تتوفر الظروف و الأسباب التي تؤدي معالجة المشكلة من جذرها داخل النفوس وهو ما لن يتحقق الا من خلال الحل الحضاري الذي يصحح القيم ويقتلع اسباب العداوة.وحذر الاستاذ محمود في ختام المنشور من أن الهوس الديني و التفكير المتخلف لن يورثان البلاد الا المزيد من الفتنة الدينية و الحرب الأهلية.
ذهب الاستاذ محمود قبل ستة عقود ونصف من الزمان ببصيرته النافذة الى ضرورة ايجاد حل جذري لمشكلة جنوب السودان ، قبل ان يعترف طرفي اتفاقية السلام الشامل (المؤتمر الوطني و الحركة الشعبية) في العام 2005 بجذور المشكلة التي ظلت جميع القوى السياسية الشمالية ترفضها ، فقد جاء ذلك الاعتراف في ديباجة اتفاق مشاكوس في السنوات الاخيرة من عمر السودان الموحد بالقول :” واذ يدركان ان النزاع في السودان هو اطول نزاع في افريقيا ، وانه قد تسبب في خسائر مريعة في الارواح ودمر البنية التحتية للبلاد ، واهدر الموارد الاقتصادية وتسبب في معاناة لم يسبق لها مثيل ، ولاسيما فيما يتعلق بشعب جنوب السودان”.
*الفدرالية.. أصلح المناهج لنظام الحكم:
في وقت كانت النخبة السياسية السودانية من جيل الاستقلال تنظر للفدرالية كذريعة استعمارية تهدف لتفتيت وحدة السودان ، كتب الاستاذ محمود عنها في العام 1955 كاصلح المناهج لنظام الحكم في السودان ، وقد سبق ذلك مطالبة الجنوبيين بتطبيق الحكم الفدرالي في اللجنة القومية لوضع الدستور الدائم ، والتي كونت في العام 1956 ، لانه نظر ببصيرته الثاقبة فراي ان التنوع الموجود في السودان لايمكن ان تتم ادارته بقبضة مركزية .
يقول الاستاذ محمود :” أنا من الداعين للاتحادات الفدرالية لجميع مناطق السودان ، لأن الحكم المركزي لن يستطيع ان يطور هذه المناطق بالسرعة اللازمة ، ولأن اختلاف هذه المناطق يجعل التشريع المركزي الموحد غير صالح لادارتها”.
وفي كتاب (أسس دستور السودان) الذي صدرت طبعته في ديسمبر من عام 1955 ، و هو دستور يهدف الى قيام جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية ، يقترح الاستاذ محمود تحت عنوان أساس الجمهورية السودانية ان يقسم السودان الى خمس ولايات ، اربع منها في الشمال على ان يكون الجنوب ولاية قائمة بذاتها ، على ان تعمل الحكومة المركزية على اعانة كل ولاية لممارسة الحكم الذاتي المتكامل .
وجاء في كتاب أسس الدستور فيما يتعلق بالحكم الفدرالي ما نصه :” ان اهتمامنا بالفرد يجعلنا نتجه من الوهلة الأولى الى اشراكه في حكم نفسه بكل وسيلة ، والى تمكينه من ان يخدم نفسه ومجموعته في جميع المرافق التشريعية و التنفيذية والقضائية ، وذلك بتشجيع الحكم الذاتي و النظام التعاوني ، ولما كان السودان قطرا شاسعا وبدائيا فان ادارته من مركزية واحدة غير ميسورة ، هذا بالاضافة الى ماتفوته هذه المركزية على الافراد من فرص التحرر و الترقي و التقدم ، بخدمة انفسهم ومجموعتهم ، ولذلك فانا نقترح ان يقسم السودان الي خمس ولايات ، الولاية الوسطى ، الولاية الشمالية ، الولاية الشرقية ، الولاية الغربية ، الولاية الجنوبية ” ، وبالنسبة للاستاذ محمود فان مقترح النظام اللامركزي يعجل بتطوير البلاد ويساهم في خلق قومية ناضجة.
وقد مثل كتاب (أسس دستور السودان) الوثيقة المرجعية التي ظل الحزب يدفع بها لإجراء الاصلاحات السياسية و الدستورية المطلوبة لحل مشكلة جنوب السودان ، حيث طالبوا رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الوزراء السوداني آنذاك ابراهيم عبود للاخذ بالنظام اللامركزي ، وبعد قيام ثورة اكتوبر 1964 استمر الجمهوريون في دعوتهم لحل مشكلة الجنوب باعطائه حكما ذاتيا في اطار السودان الموحد وعلى اساس النظام الفدرالي الوارد في كتاب (أسس الدستور) ، وقد اثنى الحزب على حكومة اكتوبر لاعترافها بالاختلاف و التباين بين الشمال و الجنوب من حيث العنصر و اللغة و العقيدة ، مضيفا اليه عامل الاختلاف الجغرافي ، ويرى الجمهوريون ان عامل اختلاف اللهجات ، والعنصريات و العادات من دواعي التفاؤل لان خصائص تلك العنصريات اذا مانميت وتم تهذيبها وتفتقت طاقاتها الاصلية فانها ستزيد حتما من حيوية الامة السودانية في مجموعها وتخصب شخصيتها، وتزيد من وزنها وزنا ومن قيمتها قيمة.
*التنوع الثقافي و الهوية :
خصص الأستاذ محمود ، مساحة كبيرة من مشروعه الفكري لمخاطبة قضايا التنوع الثقافي و الهوية القومية ، وهي بالنسبة له مسائل جوهرية ينبغي النظر اليها في نطاق الاعتراف بمكونات الواقع السوداني باعتبارها من حقائقه الماثلة ، فقد التفت لتنوع السودان منذ وقت مبكر وظل يتحدث عنه باعتباره واحدة من دواعي التفاؤل بمستقبل السودان لانها تزيده قوة وحيوية وتخصب شخصيته ، كم دعا في بياناته ومقالاته وكتاباته الى ضرورة حماية التنوع السوداني و المحافظة عليه بالدستور وبالحكم الفدرالي ، من خلال مدنية جديدة تتأسس على فلسفة جديدة ديمقراطية إشتراكية.
هذا وقد ظل الاستاذ محمود يتحدث كثيرا عن اهمية تضمين هذا التنوع و التعدد في الدستور السوداني ، ففي محاضرة له قدمها عام 1969 ، تناول فيها الاسس و الملامح التي يجب ان يكون عليها دستور السودان ، في مراعاته لحقوق المواطنة المتساوية ، يقول الاستاذ :” الدستور عبارة عن صياغة امل الامة … وهو أمل كل الشعب ،أقليته واغلبيته … الكلام عن ان الدستور الاسلامي يعطي الاقليات حرية العبادة ، هذا كلام ليس له قيمة بالمرة .لأنك حينما تتكلم عن الدستور أنت تتكلم عن الديمقراطية و الديمقراطية هي فرص التساوي بين المواطنين من حيث هم مواطنون”.
ورفض الاستاذ محمود الرأي السائد بان الدستور يجب ان يستمد من مذهب او دين الاغلبية في اشارة الى الدستور الاسلامي مبينا بان الدستور يجب ان يستمد من الفكرة التي توحد الشعب كله ، دون ان يكون فيه اغلبية او اقلية ، فتلك عنده مسائل تأتي في الإدارة و التنفيذ ويمضي الى التاكيد على حق غير المسلم في الترشح لتولي رئاسة البلاد وفقا لما تقتضيه قواعد الممارسة الديمقراطية، يقول الأستاذ محمود :” في الوضع الديمقراطي الدستور يجب ان يكون حق كل الناس وأمل كل الناس وتطلع كل الناس … بمعنى أن رئيس الدولة يمكن أن يترشح من أي جهة من الأقلية المسيحية أو الأقلية الوثنية أو أي جهة ، حسب الديمقراطية هذا هو الوضع ، هؤلاء الأغلبية يستطيعون أن يفوزوا مرشحهم ، لكن اولئك لايمكن ان يحرموا دستوريا من هذا الحق على اعتبار انهم أقلية”.
وفي إطار دعوته للوقوف على الابعاد الحقيقية لمشكلة جنوب السودان و السعى لمواجهتها بشجاعة اشار الاستاذ محمود الى ان التباين الذي يتميز به الجنوب من حيث اللغة و العقيدة والعنصر و الجغرافيا ليس بدعا ، وانما هي خصائص متوافرة في بقية ارجاء البلاد ، لكنها اكثر توكيداً وابلغ ظهورا في جنوب السودان اكثر من بقية اجزاء البلاد ، وفي هذا اعتراف مبكر بالخصوصية الثقافية لجنوب السودان انتبه اليها الاستاذ محمود والتي اقرتها لاحقا حكومة اكتوبر الإنتقالية برئاسة سر الختم الخليفة في أول خطاب له في 10 نوفمبر 1964 ، عندما قال ان حكومته ” تعترف بكل شجاعة ووعي بفشل الماضي وتواجه صعوباته ، كما انها تعترف بالفوارق الجنسية و الثقافية بين الشمال و الجنوب التي تسببت فيها العوامل الجغرافية و التاريخية”، وهي ذات الحقيقة التي اقر بها نظام مايو في اعلان التاسع من يوليو 1969 الذي اعترف بالتباينات التاريخية والثقافية بين طرفي البلاد ، وهو الاعلان الذي مهد الطريق لتوقيع اول هدنة سياسية في تاريخ السودان قادت لوقف الحرب الاهلية السودانية لعقد كامل .
ويرمي الاستاذ محمود من خلال الاحتفاء و الاعتداد بهذا التنوع السوداني الي توظيفه من اجل ترسيخ مفهوم الذاتية السودانية المتميزة و المرتبطة بمصير واحد من خلال ازالة جميع اشكال الفوارق وربط اجزاء البلاد ببعضها البعض لتصبح بذلك كتلة متحدة سياسيا في الاغراض ، المنافع و الاحساس.
وانتبه الاستاذ محمود منذ اربعينيات القرن الماضي الى المخاطر التي يمكن ان يقود اليها التهميش في السودان ، وسعى بقوة الى درء مخاطره ، عبر الدعوة لتحقيق التنمية المتوازنة بهدف محاصرة التفاوت و الفوارق ، وتزليل اسباب العزلة و التباعد بين مختلف اقاليم السودان ومكوناته الاجتماعية و الثقافية ، من اجل تحقيق الوحدة و التماسك الوطني ، فهو كان يرى ان الوحدة السودانية القائمة تحت قبضة الأنظمة المركزية آحادية التوجه و السياسات معرضة لتهديد كبير ، بسبب انها تعمدت التغاضي عن مشاكل السودان الحقيقة و المتمثلة في التهميش التنموي وفرض المركزية الاسلاموعربية في قطر تتساكن فيه قوميات متباينة في ثقافاتها ، وهو التغاضي الذي انتهي الي تعميق الأزمة السياسية و التي تمظهرت في انتشار الحرب وارتفاع وتيرتها في شتى ارجاء السودان ، وإلى بروز مطالب جديدة تجاوزت حدود جنوب السودان الى شماله وشرقه وغربه ، و الأهم من ذلك كله هو ان المكابرة و التعالي الديني أفضت في نهاية الأمر الى العودة الخجولة لما سبق وان نبه له الأستاذ محمود ، لكن في الزمن الضائع وبتكاليف باهظة الثمن جاءت خصما على وحدة الكيان السوداني بعد ان اختار الجنوبيين التصويت لصالح دولتهم المستقلة في العام 2011 ، تلك الوحدة التي لاتزال تحت التهديد الى يومنا هذا بسبب إصرار النخبة الحاكمة في شمال السودان على مقايضة مستقبل البلاد ووحدتها بقضية الدين حتى بعد سقوط نظام الجبهة الاسلامية في ثورة ديسمبر السودانية المجيدة ، ذلك النظام الذي كان يمثل راس التحالف الذي قتل الاستاذ محمود وهمش اقاليم السودان وكرس للاستعلاء العرقي و الديني ، ودوننا النقاشات التي تشهدها مباحثات السلام السودانية بدولة جنوب السودان بين الحكومة الانتقالية و الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال- بقيادة عبد العزيز الحلو ، حيث تطالب الاخيرة بضرورة إعتماد النظام العلماني مقابل إسقاط المطالبة بحق تقرير المصير لمنطقتي النيل الأزرق وجبال النوبة.
هذا ويربط الاستاذ محمود ربطا وثيقا بين التنوع الذي يتمتع به السودان كرافد من روافد تكوين شخصيته الحضارية وهويته القومية ، فهو بهذا ينظر الى السودان كدولة افريقية ، وقد قام بالتذكير مرار عبر البيانات و المناشير و الكتب بافريقية السودان في مواقفه مع دول الجوار وتعاطيه مع الدول العربية ، كما تحدث عن ضرورة الانسحاب من جامعة الدول العربية بسبب ان السودان أمة افريقية ، وذلك بقوله :” الموقف الواضح كدولة افريقية ترعى حسن الجوار مع جميع الدول المجاورة وتتعاون مع البلدان العربية و البعيدة لحفظ السلام ولتدعيم هيئة الامم وتشجيع الاحتكام اليها و الرضا بقراراتها “، كم تحدث ايضا عن ان السودان له مكانته في القارة الافريقية كشعب افريقي ، يمكنه ان يخدم نفسه و الشعوب المجاورة له ، بل ويمكنه ان يقدم خدمات اكبر لقضايا الاحرار وقضية السلام العالمي.
أتيم سايمون: كاتب وباحث من دولة جنوب السودان
الهوامش:
الاخوان الجمهوريون ، جنوب السودان المشكلة و الحل ، الطبعة الاولى ، فبراير 1982.
سلمان محمد أحمد سلمان ، انفصال جنوب السودان ،دور ومسئولية القوى السياسية الشمالية ، مركز ابحاث السودان ، فرجينيا، 2015
صلاح شعيب ، السودانوية ، محمود محمد طه ، موقع الفكرة .
عبد الله الفكي البشير ، صاحب الفهم الصحيح للاسلام ، محمود محمد طه و المثقفون ، قراءة في المواقف وتزوير التاريخ ، رؤية للنشر و التوزيع ، القاهرة ، 2013.
عبد الماجد بوب، جنوب السودان، جدل الوحدة والانفصال ــ دار عزة للنشر والتوزيع ، 2010.
في الاحتفال بذكري الأستاذ محمود محمد طه بدار الحركة الشعبية ، رصد علاء الدين بشير ، صحيفة الصحافة ، الجمعة 19 يناير 2007، الخرطوم.
فيصل عبد الرحمن على طه ، مسألة جنوب السودان في سياق تاريخي (1899-1986) ، مركز عبد الكريم ميرغني ، امدرمان ، السودان ، يناير 2012.
محمد محمد الأمين ، جنوب السودان و الطريق الى الوحدة المستدامة ، مركز المحروسة للنشر و الخدمات الصحفية و المعلومات ، القاهرة 2015.
محمود محمد طه ، أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية إشتراكية ، امدرمان ، 1968.
مدثر عبد الرحيم ، مشكلة جنوب السودان ، طبيعتها وتطورها وأثر السياسة البريطانية في تكوينها ، الدار السودانية للكتب ، الخرطوم ، 1970.
مذكرات سكرتير الحزب الجمهوري الاستاذ أمين محمد صديق ، ديسمبر 2015.
منصور خالد ، السودان اهوال الحرب وطموحات السلام ، قصة بلدين ، دار تراث للنشر ، 2003.
منصور خالد ، محود الذي عرفت ، محاضرة بمركز الخاتم عدلان بالخرطوم ، يناير 2009 ، موقع الفكرة.



